من الموت إلى الجنة؟ هل هذا فعلاً ما يصبو إليه كل إنسان؟

مصطلح “الجنة” هو من المصطلحات الشائكة جداً في الأديان، وبالنسبة للكثير من المثقفين فإن مفهوم الجنة حسب ما صورته الأديان هو العذاب الأبدي أكثر من كونه النعيم الأبدي، وفي هذه المقالة سأشرح المشاكل المتعلقة بمصطلح الجنة.

في قديم الزمان عندما كان الإنسان يعيش في الغابة، كان هدف الإنسان من حياته هو البحث عن طعامه والهروب من الحيوانات المفترسة مثل الأسود والنمور وغيرها من الحيوانات المفترسة، فخلال حياته في الطبيعة نمت عند الإنسان غريزة الخوف من الموت، ويمكننا بشكل آمن القول أن كل إنسان لم تكن عنده هذه الغريزة مات بسبب عدم وجودها، فتخيل أنك تقف أمام أسد وأنت لست خائفاً من الموت، فهل ستعيش؟ بالطبع لا، وهذه الصفة “صفة الخوف من الموت” إن لم تكن موجودة فهي سبب كافي ووافي لانقراض أي شعبة من الكائنات الحية، وهذا ما يسمى “التطور البيولوجي”، بحيث تكون هناك صفة معينة مفيدة وصفة أخرى ضارة، وهذه والصفحة المفيدة تستمر بينما الصفة الضارة تنقرض بسبب ظروف الطبيعة.

وفي الحقيقة الخوف من الموت لا يقتصر على البشر فقط، بل يشمل كل الكائنات الحية بمختلف أنواعها، فكل الكائنات الحية بمختلف أسلافها تطورت كي تحارب الموت وتخافه وتهابه، وهو نوع من الحماية لنفسها، ولولا هذا الخوف لماتت جميعاً.

وعندما بدأت الحضارة البشرية بالظهور بدأ الإنسان بطرح الأسئلة من مثل “ما هو هدف وجوده” وما شابه، وبالإضافة إلى ذلك فإن غرائز الإنسان كانت لا تزال موجودة من مثل الخوف من الموت، وقد ظهر بعض الدجالين الذين اخترعوا ما يسمى “آلهة” خلقت البشر، وأن المكافأة بعد الموت ستكون هي تماماً نظير ما يخافه الإنسان غريزياً، وهو الحياة الأبدية.

ومن ناحية أخرى فالإنسان كان عندما يموت لا يفهم ما يحدث لأخيه الإنسان، فهو يرى نفس الجسم الذي كان يتحرك ويفعل كل شيء الآن ساكناً ويابساً بلا حركة، وقد استغل دجالوا الأديان هذه القصة بأن قالوا أن الإنسان “يذهب” إلى مكان آخر، والمثير للريبة أن ادعاءاتهم تقول أن الإنسان ينتقل من هذه الحياة إلى حياة أخرى ناقلاً معه عقله وذكرياته ومعلوماته، لكن نحن نعلم في هذا العصر أن المعلومات البشرية مختزنة  في الدماغ بشكل مادي بحت، فهل تأخذ الروح -مثلاً- نسخة احتياطية مما هو في الدماغ؟ هذا كلام غير منطقي على الإطلاق، فقد كان الإنسان في الماضي لا يفهم مكان اختزان الذاكرة والمعلومات، لكننا نعرفه الآن جيداً وهو الدماغ، فما دام كل شيء مختزن في الدماغ، فحتى لو قبلنا جدلاً بوجود الروح، فإن انتقال “الروح” من هذا الجسد إلى جسد آخر سيجعل الجسد الآخر إنساناً جديداً، ولن تنتقل أنت بشخصيتك ومعرفتك إلى الحياة الأخرى، مما يعني أنك ستموت في كل الأحوال ﻷن دماغك سيموت معك ولن تعرف أنك حييت مرة أخرى في الجسد الجديد الذي يملك دماغ جديد.

أما الآن إذا أردنا الحديث عن الجنة والتي تمثل نظير الموت في الدنيا، فهل هي فعلاً ما يريد أن يصل إليه الإنسان؟

لنترك فكرة الجنة بعيداً قليلاً ونتكلم عما نشعره نحن البشر تجاه الأبدية والخلود: تخيل أنك أخذت إجازة من عملك، وجلست في المنزل، فستجلس في المنزل ربما أسبوع، أو أسبوعين، ولنقل شهر، وبعد ذلك لنقل أنك ربحت جائزة يا نصيب مقدارها 100 مليار دولار، وهو مبلغ كافي ليصرف عليك مقدار 10000 سنة وربما أكثر. إذاً لا داعي للعودة إلى العمل، فتستطيع الجلوس الآن في منزلك الفارِه الفاخر دون القلق على لقمة عيشك، وبعد ذلك بدأت حياتك الجديدة التي تصرف فيها ما تشاء وتملك فيها من الأموال ما تشاء إلى درجة أنك لست بحاجة إلى الحركة من مكانك، وكل طلباتك مجابة من الخدم والحشم حولك، فيومك هو عبارة عن استيقاظ في الصباح ووليمة فاخرة للفطور، وبعدها تذهب وتجلس على حاسوبك لتتباهي بما تملك من أموال وجاه على الفيس بوك والشبكات الاجتماعية، وبعدها تلعب بألعاب الحاسوب، ثم تحضر النساء إليك وتمارس الجنس لعدة ساعات إلى وقت الغداء، ثم تأتيك مائدة الغداء الفاخرة، وتأكل، وتعود مرة أخرى إلى الجنس وحاسوبك (أو أي شيء تريده، اختر ما تشاء من الرفاهية)، ويستمر هذا إلى العشاء، وبعدها تأكل وتنام.

تخيل هذه الحياة مدة سنة كاملة… سنة كاملة وأنت تكرر هذا، وفي الحقيقة لا يوجد جديد، فمن أين سيأتي الجديد وأنت تملك كلللللللللل شيء؟

ومرت سنة، وسنتين، وعشر سنوات، ومئة سنة… وأنت تكرر نفس الشيء… هل يمكنك تخيل هذه الحياة؟ هل تظن أن مئة سنة كثيرة؟ ففي الجنة ستعيش إلى الأبد، وستكون هذه هي حياتك، ومئة سنة ستكون مجرد البداية، بل حتى أن 10000 سنة ستكون البداية… فتأكد تماماً أنك ستكره تلك الحياة بكل الرفاهية التي فيها.

يبدو أنك بدأت تدرك المقصد من كلامي، فهذه الحياة لا تحلو إلا بمشاكلها وصعابها والنقص فيها، والكمال سيجعلها بليدة باردة لا حياة فيها، ولن يكون هناك فرق بين الحياة والموت عندما تكون الحياة كاملة.

هل تعرف لوحة الموناليزا؟ هذه اللوحة الرائعة التي رسمها ليوناردو دافنشي. هل تعرف قيمتها؟ قيمتها تصل إلى مئة مليون دولار. لكن تخيل أن ليوناردو دافنشي لم يرسم لوحة الموناليزا، بل صنع لنا مصدراً غير منتهي يولد لوحات موناليزا، فصنع جهازاً تكبس فيه الزر، ويخرج لك الجهاز لوحة موناليزا بكل الفن والجمال فيها بقدر ما تريد إلى مالانهاية. فماذا ستساوي عندها لوحة الموناليزا؟ أظن أنها لن تساوي يورو واحد عندها، فكل من يريد يستطيع أن يضغط على الزر ليحصل على موناليزا جديدة.

حياتنا هي مثل الموناليزا، فلو كانت حياتنا لا تنتهي، فلن يكون لها قيمة على الإطلاق، ولهذا علينا أن نقدس حياتنا الحالية وأن لا نحلم بالحياة الأبدية، فالحياة الأبدية هي العذاب بذاته، وهي حياة لا قيمة لها.

stairs-to-heaven-1-1024x768

أعجبني المنشور(23)لم يعجبني المنشور(5)

4 تعليقات على “من الموت إلى الجنة؟ هل هذا فعلاً ما يصبو إليه كل إنسان؟”

  1. أشكرك على مقالاتك القيمة ومشاركتك لنا مخزونك الثقافي والعلمي و الديني . لكني أريد أن أنقدك في مقالك حول الجنة . فقد اعتمدت على مقارنتها بأشياء موجودةٍ على سطح الأرض في حين أنه مذكور فالقرأن أن فيها أشياءً تتجاوز ما يوجد على سطح الأرض وتتجاوز حواسنا . إذاً فأنا أجد أنه لا مجال للمقارنة خصيصاً إن كنت تحاور مسلماً. و شكراً

    أعجبني المنشور(2)لم يعجبني المنشور(0)
    1. لا يوجد شيء في الجنة يتجاوز ما هو على سطح الأرض، فما هو موجود في الجنة هو تضخيم لما هو موجود على الأرض وحصرا في البيئة الصحراوية المحمدية + ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والأخير هو ادعاء أعمى الهدف منه جعل الناس يقولون أن الجنة فيها أشياء أكثر من الأرض بحسب خيال كل إنسان بذاته لا أكثر، وهذه النكتة تشبه نكتة ادعاء أن الله ليس كمثله شيء بينما كل صفات الله بشرية من مثل كونه يملك يد رجل ويضحك ومحمول على وعرش تحمله الملائكة ضد الجاذبية مع أن الجاذبية بشرية على الأرض فقط، وهذا يدل على أن الدين يعتمد على خيال الإنسان لوصف المجهول بدلاً من الاعتماد على الوصف الصريح، لذلك ادعاءك أن الجنة فيها أكثر هو باطل.

      أعجبني المنشور(7)لم يعجبني المنشور(0)
  2. أنا لم ادعي أن للجنة وجوداً . لقد ناقشت فقط ما ورد بهذا المقال. أما المقالات الاخرى فأنا أوافقها تماماً.

    أعجبني المنشور(0)لم يعجبني المنشور(0)
    1. عزيزي أنت قلت أن الجنة فيها أشياء أكثر من الأرض بحسب ادعاء القرآن، وأنا فندت هذا الادعاء ببساطة.

      أعجبني المنشور(1)لم يعجبني المنشور(0)

اترك تعليقك


ملاحظة: التعليقات لن تنشر فوراً، وستتم مراجعتها قبل قبولها



1- في حالة وجود أي شتائم أو قلة أدب أو ترداد للشعارات الرنانة سيتم إهمال التعليق. هذه الصفحة للمثقفين فقط ونتوقع أن يكون المعلق ناضجاً وواعياً للكليشيهات التي سئمنا من سماعها من شاكلة المؤامرات والصهيونية والماسونية وغيرها والتي هي شماعة ليبرر بها المسلمين انحطاطهم في العالم.
2- قبل طرح تساؤلك أو تعليقك، تأكد أن الموضوع الذي ستتكلم فيه لم تتم مناقشته في الصفحة، فهناك في الصفحة محرك بحث وهناك قائمة على اليسار لمواضيع أساسية تم النقاش فيها. التكرار غير مفيد ولهذا السبب فتحنا المدونة، كي نتجنبه. جنّبنا وجنّب نفسك عناء التكرار.
3- المناقشة هنا تتم عن طريق الدليل والإثبات وليس عن طريق قال فلان، في حالة طرحك لأي ادعاءات دون أدلة سيتم اهمال تعليقك.
4- في حالة رفضك للأسلوب العلمي سيتم إهمال تعليقك. هذه الصفحة اسمها العلم يكذب الدين، وليس اسمها الثرثرة تبرر الدين.
5- في حالة رغبتك بطرح الأسئلة للنقاش فاستخدم صفحة سؤال وجواب - اضغط هنا ليتم تحويلك لصفحة سؤال وجواب https://qa.onlyscience.org.
6- إذا كنت تريد النقاش بالعلوم فأنت مجبر أن تحضر مقالات علمية وكتب علمية معتمدة تماماً كما نفعل في صفحتنا. نحن هنا نناقش العلم وعندنا بروتوكول واضح للتعامل وضحناه في مقالة ما هي قصتنا وقصة الإلحاد كي نتجنب الثرثرة وتضييع الوقت، ونحن نتوقع أن تكون قرأت هذه المقالة قبل طرح أي سؤال أو أي تعليق وهذا شرطنا.
7- إذا كنت تريد النقاش بالدين فعليك أن تحضر أدلة على كل كلمة تقولها، وهذه الأدلة تتضمن مثلاً مراجع الدين نفسه، في حالة الإسلام مثلاً القرآن وتفسيره والأحاديث مع مصدرها كاملاً من سند ومتن ومرجع الخ... نسخ ولصق المقولات والأحاديث دون تعريف صحتها ومصدرها سيؤدي إلى إهمال التعليق.
8- أي نسخ ولصق لمعلومات من الإنترنت من مصادر عشوائية لا تملك مصداقية علمية معتمدة (مثل مواقع هراتل الإعجاز العلمي أو فيديوهات يوتيوب أو ما شابه) سيؤدي إلى إهمال التعليق. كل كلمة تقولها يجب أن تأتي بمصدرها، وإن كان من العلوم يجب أن يكون مصدر معتمد كما شرحنا سابقاً. كلام شخص على فيديو أو صفحته الخاصة لا يعتبر مصدر موثوق.
9- التعليق حصراً وتحديداً إما باللغة العربية بأحرف عربية أو باللغة الإنجليزية بأحرف إنجليزية. استخدام لغات أخرى أو كتابة اللغة العربية بأحرف إنجليزية ستؤدي إلى إهمال التعليق. للأسف ليس عندنا وقت لفك تشفير الكلمات العربية المكتوبة بأحرف إنجليزية فهي مسألة تأخذ وقت طويل جداً لمن لا يملك خبرة بهذه الطريقة وبالذات عندما نتكلم بمواضيع معقدة مثل الدين والإلحاد.
10- نحن لسنا متفرغون فقط للإجابة في الصفحة وعندنا أعمال وأسر ومشاغل الحياة، وسنجيبكم عندما نقدر، وأهلاً وسهلاً بكم.


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

*



معاً لمحاربة الخرافة