هل يفهم الشارع العربي معنى البلاغة؟ وهل وصف القرآن بالبليغ هو وصف صحيح؟

هناك فهم خاطئ لمعنى “البلاغة” في الشارع العربي، فعندما تسأل شخص عن البلاغة فتتنوع الإجابات بين “كلام جميل” وبين “يستخدم كلمات قوية” وبين “فصيح” وغيرها (وطبعاً اسأل عندها ما معنى فصيح ولن تحصل على جواب محدد)، ولن تجد تعريف واضح لهذا المصطلح بل ولن تجد أحداً من الشارع قادراً على تقييم فيما إذا كان نص ما بليغ أو غير بليغ بناءً على معايير موضوعية.
ولتتأكد من هذا الكلام، اسأل أي شخص في الشارع: لماذا القرآن بليغ؟ واستمع إلى الأجوبة وحاول أن لا تضحك… لأنك ستحصل على أجوبة كوميدية وغير علمية أبداً… وستكون النتيجة “القرآن بليغ لأنه من عند الله”… وطبعاً لو ربطت هذه القضية بسبب كون القرآن من عند الله فسيقولون لك أنه من عند الله “لأنه معجزة بالبلاغة والفصاحة”، أي بالآخر صار منطق دائري… هو بليغ لأنه من عند الله وهو من عند الله لأنه بليغ… مهزلة حقيقية!
هذا الفهم الخاطئ مصدره الأساسي والرئيسي هو زراعة فكرة معينة في عقول الناس، وهي فكرة أن “القرآن بليغ” وتقديسها (منع نقدها ومعاقبة ناقدها)، وهذا الانجراف في المعنى لم يحدث بشكل فوري بل حدث بشكل متدرج عبر التاريخ ولذلك نجد الشعراء الذين تكلموا عن البلاغة في الماضي وصفوها بشكل صحيح.
ولأن المعنى الحقيقي للبلاغة لا ينطبق على القرآن، فتكون النتيجة أن الناس تخترع 50 تعريف جديد للبلاغة كي تتهرب من إطلاق حكم الركاكة على القرآن.
فما هي البلاغة في اللغة؟
كبداية نقول لكم ما هي البلاغة، فالبلاغة هي بكل اختصار: خير الكلام ما قل ودل
ولو رجعنا إلى تعريف البلاغة في اللغة العربية في القاموس، فبالإضافة للقول أنها الفصاحة، فستجد تعريف هذه الكلمة في لسان العرب:
“ورجل بَلِيغٌ وبِلْغٌ: حسَنُ الكلام فَصِيحُه يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه”
أي أنك تصل إلى المعنى الذي ترغبه بكلماتك كأن لسانك مرتبط بمشاعرك.
ولننظر أيضاً إلى أبيات الشعر من صفي الدين الحلّي:
ليسَ البلاغة ُ معنى ً —– فيهِ الكَلامُ يَطُولُ
بل صوغُ معنى ً—– كثيرٍ يحويهِ لفظٌ قليلُ
فالفَضلُ في حُسنِ —– لَفظٍ يَقِلْ فيهِ الفُضولُ
يظنهُ الناسُ سهلاً —- وما إليهِ سبيلُ
والعَيّ مَعنًى قَصيرٌ —– يحويهِ لفظٌ طويلُ
أما الآن بعدما فهمنا ما هي البلاغة نطرح السؤال: هل القرآن كتاب بليغ؟
كي نقول أن كتاب ما بليغ -كما رأينا في تعريف البلاغة- يجب أن تكون فيه المعاني واضحة وقصيرة ولا جدل فيها، فكاتبها صاغ ما يريد أن يقوله بكل وضوح دون أي لبس أو تشويش. فهل أنا بحاجة لذكر كم قراءة هناك للقرآن وكم تفسير وكم تأويل هناك له؟
وجود هذه التفاسير للقرآن تؤكد أنه كتاب غير بليغ، بل هو كتاب طلاسم غير مفهوم يفسّره كل إنسان على مزاجه، ونسبة كبيرة من القرآن قابلة للتأويل (أكثر من 80% منه قابلة للتأويل، ونسبة الآيات المحكّمات لا تتجاوز 20%). فهذا ضد تعريف البلاغة بالضبط. أليس كذلك؟
إذا كنت ستعارضني وتقول أن القرآن بليغ، فأنت أمام حلين:
1- أن تنكر وجود كل هذه التفاسير وتكذب على نفسك وتدعي أن للقرآن تفسير واحد فقط
2- أن تغيّر معنى كلمة “بلاغة” لتناسب ما تظن القرآن عليه، ويمكن أن نجعل معنى كلمة “بلاغة” كرسي أو طاولة أو هيليكوبتر… وعندها قل القرآن فيه بلاغة مع توضيح معنى البلاغة.

مثال لادعاء البلاغة في القرآن… الإنترنت مليء بهذه الصور المضحكة
أعجبني المنشور(24)لم يعجبني المنشور(6)

اترك تعليقك


ملاحظة: التعليقات لن تنشر فوراً، وستتم مراجعتها قبل قبولها



1- في حالة وجود أي شتائم أو قلة أدب أو ترداد للشعارات الرنانة سيتم إهمال التعليق. هذه الصفحة للمثقفين فقط ونتوقع أن يكون المعلق ناضجاً وواعياً للكليشيهات التي سئمنا من سماعها من شاكلة المؤامرات والصهيونية والماسونية وغيرها والتي هي شماعة ليبرر بها المسلمين انحطاطهم في العالم.
2- قبل طرح تساؤلك أو تعليقك، تأكد أن الموضوع الذي ستتكلم فيه لم تتم مناقشته في الصفحة، فهناك في الصفحة محرك بحث وهناك قائمة على اليسار لمواضيع أساسية تم النقاش فيها. التكرار غير مفيد ولهذا السبب فتحنا المدونة، كي نتجنبه. جنّبنا وجنّب نفسك عناء التكرار.
3- المناقشة هنا تتم عن طريق الدليل والإثبات وليس عن طريق قال فلان، في حالة طرحك لأي ادعاءات دون أدلة سيتم اهمال تعليقك.
4- في حالة رفضك للأسلوب العلمي سيتم إهمال تعليقك. هذه الصفحة اسمها العلم يكذب الدين، وليس اسمها الثرثرة تبرر الدين.
5- إذا كنت تريد النقاش بالعلوم فأنت مجبر أن تحضر مقالات علمية وكتب علمية معتمدة تماماً كما نفعل في صفحتنا. نحن هنا نناقش العلم وعندنا بروتوكول واضح للتعامل وضحناه في مقالة ما هي قصتنا وقصة الإلحاد كي نتجنب الثرثرة وتضييع الوقت، ونحن نتوقع أن تكون قرأت هذه المقالة قبل طرح أي سؤال أو أي تعليق وهذا شرطنا.
6- إذا كنت تريد النقاش بالدين فعليك أن تحضر أدلة على كل كلمة تقولها، وهذه الأدلة تتضمن مثلاً مراجع الدين نفسه، في حالة الإسلام مثلاً القرآن وتفسيره والأحاديث مع مصدرها كاملاً من سند ومتن ومرجع الخ... نسخ ولصق المقولات والأحاديث دون تعريف صحتها ومصدرها سيؤدي إلى إهمال التعليق.
7- أي نسخ ولصق لمعلومات من الإنترنت من مصادر عشوائية لا تملك مصداقية علمية معتمدة (مثل مواقع هراتل الإعجاز العلمي أو فيديوهات يوتيوب أو ما شابه) سيؤدي إلى إهمال التعليق. كل كلمة تقولها يجب أن تأتي بمصدرها، وإن كان من العلوم يجب أن يكون مصدر معتمد كما شرحنا سابقاً. كلام شخص على فيديو أو صفحته الخاصة لا يعتبر مصدر موثوق.
8- التعليق حصراً وتحديداً إما باللغة العربية بأحرف عربية أو باللغة الإنجليزية بأحرف إنجليزية. استخدام لغات أخرى أو كتابة اللغة العربية بأحرف إنجليزية ستؤدي إلى إهمال التعليق. للأسف ليس عندنا وقت لفك تشفير الكلمات العربية المكتوبة بأحرف إنجليزية فهي مسألة تأخذ وقت طويل جداً لمن لا يملك خبرة بهذه الطريقة وبالذات عندما نتكلم بمواضيع معقدة مثل الدين والإلحاد.
9- نحن لسنا متفرغون فقط للإجابة في الصفحة وعندنا أعمال وأسر ومشاغل الحياة، وسنجيبكم عندما نقدر، وأهلاً وسهلاً بكم.


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

*

code